أبي منصور الماتريدي
28
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فيه فهو ممن قد تضمنه الخطاب ، ويجوز في حالة الفرض أيضا ؛ إذ لو شهد ليلة الصيام فعزم على الصيام يجوز له فرضه ، فدخل في حق الخطاب ، ثم اعترضه في سائر الليالي عذر منع النية ، لا عذر منع الصيام ، فيقتضيه إذ هو أهل الحكم للآية التي ذكرنا ، والقيام « 1 » بذلك الفرض على ما وصفنا ، ففاته بفوت النية كمن كان فوت لعذر المرض « 2 »
--> - به ، يدع شهوته وطعامه من أجلى » فأضاف ترك الطعام والشراب إليه ، فإذا كان مغمى عليه فلا يضاف الإمساك إليه ، فلم يجزئه . وذهب الحنفية إلى صحة صومه ؛ لأن نيته قد صحت ، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم ، كالنوم . أما إذا أفاق أثناء النهار ، فذهب الحنفية إلى تجديد النية إذا أفاق قبل الزوال ، وذهب المالكية إلى عدم صحة صومه ، وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أفاق في أي جزء من النهار صح صومه ، سواء أكان في أوله أم في آخره . وفرق الشافعية بين الجنون والإغماء ، فالمذهب : أنه لو جن في أثناء النهار بطل صومه ، وقيل : هو كالإغماء . وأما الردة بعد نية الصوم فتبطل الصوم بلا خلاف . ينظر : جواهر الإكليل ( 1 / 148 ) ، والشرح الكبير للدردير ( 1 / 520 ) ، والمغنى ( 3 / 98 ) . ( 1 ) في أ : للقيام . ( 2 ) المرض هو : كل ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علة . قال ابن قدامة : أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة ، والأصل فيه قول الله تعالى : وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ، وعن سلمة بن الأكوع - رضى الله تعالى عنه - قال : لما نزلت هذه الآية : وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ كان من أراد أن يفطر ، يفطر ويفتدى ، حتى أنزلت الآية التي بعدها يعنى قوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [ البقرة : 184 ] فنسختها . فالمريض الذي يخاف زيادة مرضه بالصوم أو إبطاء البرء أو فساد عضو ، له أن يفطر ، بل يسن فطره ، ويكره إتمامه ؛ لأنه قد يفضى إلى الهلاك ، فيجب الاحتراز عنه . ثم إن شدة المرض تجيز الفطر للمريض . أما الصحيح إذا خاف الشدة أو التعب ، فإنه لا يجوز له الفطر ، إذا حصل له بالصوم مجرد شدة تعب ، هذا هو المشهور عند المالكية ، وإن قيل بجواز فطره . وقال الحنفية : إذا خاف الصحيح المرض بغلبة الظن فله الفطر ، فإن خافه بمجرد الوهم ، فليس له الفطر . وقال المالكية : إذا خاف حصول أصل المرض بصومه ، فإنه لا يجوز له الفطر - على المشهور - إذ لعله لا ينزل به المرض إذا صام . وقيل : يجوز له الفطر . فإن خاف كل من المريض والصحيح الهلاك على نفسه بصومه ، وجب الفطر . وكذا لو خاف أذى شديدا ، كتعطيل منفعة ، من سمع أو بصر أو غيرهما ؛ لأن حفظ النفس والمنافع واجب ، وهذا بخلاف الجهد الشديد ، فإنه يبيح الفطر للمريض ، قيل : والصحيح أيضا . وقال الشافعية : إن المريض - وإن تعدى بفعل ما أمرضه - يباح له ترك الصوم ، إذا وجد به ضررا شديدا ، لكنهم شرطوا لجواز فطره نية الترخص - كما قال الرملي واعتمده - وفرقوا بين المرض المطبق ، وبين المرض المتقطع : فإن كان المرض مطبقا ، فله ترك النية في الليل . وإن كان يحمّ وينقطع ، نظر : فإن كان محموما وقت الشروع في الصوم ، فله ترك النية ، وإلا فعليه أن ينوى من الليل ، فإن احتاج إلى الإفطار أفطر . ومثل ذلك الحصاد والبناء والحارس - ولو متبرعا - فتجب عليهم النية ليلا ، ثم إن لحقتهم مشقة أفطروا . قال النووي : ولا يشترط أن ينتهى إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم ، بل قال أصحابنا : شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها ، وأما المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة فلم يجز له الفطر ، بلا -